الباحث اليمني بين التحدي والإبداع.. حكايات من مختبرات المؤسسة
المقدمة
في بلد أنهكته ويلات الحرب وأزمات إنسانية خانقة، قد يبدو الحديث عن "البحث العلمي" ترفاً بعيد المنال. لكننا في مؤسسة أبحاث الغذاء والدواء (FDRF) نؤمن إيماناً راسخاً بأن البحث العلمي هو طوق النجاة لا ترف. في هذا المقال، نروي قصة البحث عن دواء يمني، والتحديات التي واجهت فريقنا، ولحظات النجاح التي أثبتت أن العقل اليمني قادر على الابتكار رغم كل الصعاب.
الجزء الأول: لماذا البحث العلمي في اليمن؟
يستورد اليمن أكثر من 90% من احتياجه الدوائي. هذا يعني أن صحة ملايين اليمنيين تظل رهينة لسلاسل التوريد العالمية وتقلبات أسعار العملة وفتح الموانئ وإغلاقها. من هنا انطلق سؤالنا البسيط والعميق في آنٍ واحد: "ماذا لو استطعنا تصنيع دوائنا بأنفسنا؟"
لم تكن الإجابة سهلة على الإطلاق. البحث العلمي يحتاج إلى مختبرات متطورة، ومعدات دقيقة، ومواد أولية نادرة، وأهم من ذلك كله: استقرار. كلها أمور شحيحة في اليمن. لكن فريقنا قرر أن يبدأ بما هو متاح، مؤمناً بأن العزيمة تصنع المعجزات.
الجزء الثاني: قصة "زيلو-إتش".. من الفكرة إلى المختبر
في أحد الأيام، كان فريقنا البحثي منهمكاً في مراجعة الدراسات العالمية حول المواد الطبيعية المضادة للبكتيريا. لفت انتباههم شيئان من صميم البيئة اليمنية:
· الزيولايت: ذلك المعدن البركاني المسامي الذي تزخر به أراضي اليمن، والمعروف بقدرته الفائقة على امتصاص السموم ومقاومة الميكروبات.
· العسل اليمني: وتحديداً عسل السدر، المشهور عالمياً بخصائصه العلاجية الفريدة وقوته المضادة للبكتيريا.
قال أحد الباحثين متحمساً: "ماذا لو دمجناهما في تركيبة واحدة؟"
من هنا بدأت الرحلة. أشهر طويلة من التجارب المرهقة، ومحاولات لا تنتهي لضبط نسب الخلط. مشكلة اللزوجة: هل سيكون المرهم صلباً جداً أم سائلاً جداً؟ مشكلة الثبات: هل سينفصل الزيولايت عن العسل تحت حرارة الصيف اليمني القاسية؟ مشكلة الفعالية: هل سيحتفظ المرهم بخصائصه العلاجية بعد تخزينه؟ تحولت كل مشكلة، سواء في اللزوجة أو الثبات أو الفعالية، إلى درس عملي صقل خبراتنا وقرّبنا خطوة من الحلم.
الجزء الثالث: تحت نيران الحرب وانقطاع الكهرباء.. يوميات المختبر
لم تكن تحدياتنا علمية فحسب، بل معيشية وقاسية:
1. انقطاع الكهرباء: في مختبر أبحاث، لا يعني انقطاع الكهرباء مجرد ظلام. إنه يعني تلف عينات حساسة، وتوقف أجهزة في منتصف دورة عملها، وفساد تجارب استمرت أسابيع. اعتاد الفريق العمل على ضوء مصابيح الشحن، مستغلين ساعات الليل التي يعود فيها التيار الكهربائي بصورة متقطعة.
2. صعوبة استيراد المواد: بعض المواد الكيميائية الأساسية للاختبارات غير متوفرة محلياً. استيرادها في ظل الحصار والأزمة المصرفية كان كابوساً لوجستياً حقيقياً، تطلب شهوراً من التخطيط والاتصالات.
3. شكوك المحيطين: "هل حقاً تستطيعون صناعة دواء في اليمن؟" هذا السؤال سمعه الفريق مراراً. البعض شكك في قدراتنا، والبعض سخر من طموحنا. لكن الفريق كان يرد على الجميع بصمت المختبر وجدّية العمل، مؤمناً بفكرته حتى النخاع.
الجزء الرابع: 40 درجة مئوية ورطوبة عالية.. حين أثبت "زيلو-إتش" صموده
بعد إنتاج أول عينة من "زيلو-إتش"، جاء موعد الاختبار الحاسم: هل سيصمد المرهم في حرارة اليمن المرتفعة ورطوبته العالية؟
وُضعت العينات في حاضنة بدرجة حرارة 40 درجة مئوية ورطوبة 75% لمدة 6 أشهر كاملة. كان الفريق يترقب في صمت. مع كل فتح للحاضنة بعد شهر، كان القلق يخيم على الجميع، ليتحول بعد كل فحص إلى ارتياح حذر. وعند انقضاء المدة، خرجت العينات كما أُدخلت: متماسكة، نقية، وفعالة.
النتيجة كانت مذهلة: لم يُلاحظ أي انفصال طوري يُذكر، وظل التغير في القوام ضمن حدود مقبولة (أقل من 5%)، بينما احتفظ المرهم بما يزيد عن 95% من فعاليته المضادة للبكتيريا وفقاً لاختبارات الحساسية المعملية.
في تلك اللحظة، لم يكن الصمت الذي خيّم على المختبر سوى مقدمة لعاصفة من التصفيق والتصافح. لم يكن "زيلو-إتش" مجرد مرهم. كان دليلاً حياً على أن البحث العلمي في اليمن ممكن، وأن الحلم قابل للتحقيق.
الجزء الخامس: دروس من الرحلة
· ابدأ بما هو متاح: لا تنتظر الظروف المثالية، فلن تأتي أبداً. ابدأ بحجر، وطموح، وفريق.
· الفريق هو أهم أصل: البحث العلمي ليس رحلة فردية، بل سيمفونية من العقول والجهود المتضافرة.
· الفشل ليس عدواً: كل تجربة فاشلة هي خطوة نحو النجاح، وجزء لا يتجزأ من عملية التعلم.
· الإيمان بالفكرة هو الوقود: الإيمان الحقيقي بما تفعله أهم من أي تمويل، فهو الذي يبقيك واقفاً حين تنهار الأشياء من حولك.
لقد علّمنا هذا المشروع أن الابتكار لا يولد من فراغ، بل من القدرة على تحويل القيود إلى نقطة انطلاق.
الجزء السادس: ماذا بعد زيلو-إتش؟
"زيلو-إتش" ليس النهاية، بل البداية الواعدة. فريقنا البحثي يعمل الآن على منتجات جديدة مستخلصة من مصادر طبيعية يمنية أصيلة، واضعين نصب أعيننا هدفاً كبيراً: أن يصبح اليمن مركزاً إقليمياً للبحث والتطوير في مجال المستحضرات الطبيعية، قادراً على تحقيق سيادته الصحية رغم كل الظروف.
أبواب مؤسسة أبحاث الغذاء والدواء FDRF مفتوحة على مصراعيها لكل باحث يمني يريد أن يشارك في هذه الرحلة الملهمة. معاً، نصنع مستقبل السيادة الصحية لليمن. معاً، نثبت أن العقل اليمني قادر على الابتكار والإبداع.