مؤسسة أبحاث الغذاء والدواء مؤسسة أبحاث الغذاء والدواء

البفك والأطفال في اليمن.. وجبة خفيفة أم غذاء فائق المعالجة؟

Saturday, 4 July 2026 تجريبي
البفك والأطفال في اليمن.. وجبة خفيفة أم غذاء فائق المعالجة؟

المقدمة
أصبحت منتجات البفك والمقرمشات من أكثر الأغذية انتشاراً بين الأطفال في اليمن. فهي متوافرة في معظم المتاجر، منخفضة التكلفة، وجذابة بألوانها ونكهاتها، مما يجعلها خياراً يومياً لدى كثير من الأسر.

لكن خلف هذا الانتشار الواسع، تكمن حقيقة علمية مهمة: فمعظم هذه المنتجات تُصنف ضمن الأغذية فائقة المعالجة (Ultra-Processed Foods)، وهي أغذية تعتمد على مكونات مكررة وإضافات صناعية متعددة بهدف تحسين الطعم والقوام وإطالة مدة الصلاحية.

وتشير الأدلة العلمية المتزايدة إلى أن الإفراط في استهلاك هذا النوع من الأغذية يرتبط بارتفاع خطر السمنة، واضطرابات التمثيل الغذائي، وأمراض القلب، والسكري من النوع الثاني، وغيرها من الأمراض المزمنة، خاصة عندما يحل محل الغذاء الطبيعي المتوازن.

وفي اليمن، حيث ترتفع معدلات سوء التغذية بين الأطفال، فإن الاعتماد المتزايد على أغذية منخفضة القيمة الغذائية يمثل تحدياً صحياً إضافياً يستحق الاهتمام.

أولًا: ممّ يتكوّن البفك؟
تعتمد معظم منتجات البفك التجارية على مجموعة من المكونات والإضافات الغذائية، أبرزها:
• نشويات مكررة مثل الذرة أو القمح أو البطاطس بعد معالجات صناعية متعددة.
• زيوت نباتية مكررة، وقد تحتوي بعض المنتجات على نسب من الدهون المتحولة إذا لم تلتزم بمعايير التصنيع الجيد.
• الملح (الصوديوم) بكميات مرتفعة نسبياً مقارنة بحجم الحصة الغذائية.
• منكهات ومحسنات نكهة مثل غلوتامات أحادي الصوديوم (MSG)، وهي مادة تسمح بها الهيئات التنظيمية ضمن الحدود المقررة.
• ملونات غذائية لإعطاء المنتج ألواناً جذابة للأطفال.
• مواد حافظة للمساعدة في الحفاظ على جودة المنتج خلال فترة التخزين.

وتؤكد الهيئات الدولية المعنية بسلامة الغذاء، أن هذه الإضافات تُعد آمنة عند استخدامها ضمن الحدود المسموح بها، إلا أن ذلك لا يعني أن الإكثار من استهلاك الأغذية فائقة المعالجة يُعد خياراً صحياً، خاصة للأطفال.

ثانياً: ماذا تقول الدراسات؟
لا تكمن المشكلة غالباً في تناول كيس واحد من البفك بين الحين والآخر، وإنما في تحوله إلى عادة غذائية يومية.
وقد أظهرت الدراسات الدولية أن ارتفاع استهلاك الأغذية فائقة المعالجة يرتبط بما يلي:
• زيادة احتمالات السمنة لدى الأطفال.
• ارتفاع خطر الإصابة باضطرابات التمثيل الغذائي مع مرور الوقت.
• انخفاض جودة النظام الغذائي نتيجة استبدال الأغذية الطبيعية.
• زيادة استهلاك الملح والدهون والسعرات الحرارية الفارغة.

وتشير تقارير الهيئات الصحية الدولية إلى أن الأطفال في بعض الدول يحصلون على أكثر من 60% من إجمالي السعرات الحرارية من الأغذية فائقة المعالجة، وهو ما دفع العديد من الجهات الصحية إلى إعادة تقييم سياسات التغذية الخاصة بالأطفال.

ثالثاً: ماذا عن الملونات الغذائية؟
تُستخدم بعض الملونات الصناعية لإضفاء مظهر جذاب على المنتجات الموجهة للأطفال.
وقد خلصت الهيئة الأوروبية لسلامة الغذاء (EFSA) إلى أن بعض الدراسات تشير إلى تأثيرات محدودة لدى بعض الأطفال فيما يتعلق بفرط النشاط والانتباه عند التعرض لخليط من بعض الملونات مع مادة بنزوات الصوديوم، إلا أن النتائج ليست متطابقة لدى جميع الأطفال، وما زال هذا المجال محل متابعة علمية مستمرة.

كما تشير الهيئات العلمية المعنية بسلامة الغذاء إلى أن معظم الأطفال لا يتأثرون بهذه الملونات، إلا أن بعض الأطفال قد يكونون أكثر حساسية لها، ولذلك تنصح الأسر الراغبة في تقليل التعرض لها بقراءة قائمة المكونات الغذائية على العبوة.

رابعاً: لماذا يمثل الأمر تحدياً في اليمن؟
تكمن الخطورة في أن هذه المنتجات أصبحت جزءاً من النظام الغذائي اليومي لكثير من الأطفال، بينما:
• تقل قيمتها الغذائية مقارنة بالأغذية الطبيعية.
• تزيد من استهلاك الملح والدهون والسعرات الحرارية.
• قد تقلل إقبال الطفل على الفواكه والخضروات والوجبات المنزلية.
• يصعب على المستهلك أحياناً فهم المكونات بسبب بطاقات غذائية غير واضحة أو مكتوبة بلغات أجنبية.

خامساً: توصيات مؤسسة أبحاث الغذاء والدواء (FDRF)
انطلاقاً من مسؤوليتها العلمية والمجتمعية، توصي المؤسسة بما يلي:
• تعزيز الرقابة على جودة وسلامة الأغذية الموجهة للأطفال.
• التأكد من مطابقة المواد الخام والإضافات الغذائية للمواصفات القياسية.
• إلزام المنتجات ببطاقات غذائية واضحة وسهلة الفهم باللغة العربية.
• الحد من التسويق الموجه للأطفال للمنتجات مرتفعة الملح والدهون.
• تنفيذ برامج توعية غذائية في المدارس ووسائل الإعلام.
• دعم الصناعات الغذائية المحلية التي تعتمد على مكونات طبيعية أقل معالجة.

نحو بديل يمني أكثر صحة
يمتلك اليمن ثروة غذائية يمكن أن تشكل أساساً لصناعة وجبات خفيفة صحية، مثل:
• الذرة الرفيعة والذرة الشامية المحلية.
• الدخن والحبوب الكاملة.
• السمسم والفول السوداني.
• العسل اليمني ودبس التمر كمحليات طبيعية.
• النكهات المستخلصة من الأعشاب والتوابل المحلية.
إن الاستثمار في هذه البدائل لا يعزز صحة الأطفال فحسب، بل يدعم الاقتصاد الوطني ويقلل الاعتماد على المنتجات المستوردة.

الخاتمة
لا يكمن الخطر في تناول منتج واحد، بل في الاعتياد اليومي على أغذية فائقة المعالجة تحل تدريجياً محل الغذاء الطبيعي.
إن حماية صحة الأطفال تبدأ من وعي الأسرة، وشفافية المنتج، ورقابة الجهات المختصة، وتشجيع الصناعات الغذائية الصحية.

فكل خيار غذائي نمنحه لطفل اليوم، هو استثمار في صحته ومستقبل وطنه غداً.